الجصاص

43

الفصول في الأصول

والناقلون لقتل المسيح إنما نقلوا عن هؤلاء الذين تولوا قتل الرجل الذي زعموا أنه المسيح ، وهؤلاء ، إما أن يكونوا قتلوه وصلبوه ظنا منهم أنه المسيح فأخطأوا في ظنهم ، وإما أن يكونوا تواطؤوا على الاجتهاد عنه بالكذب . فإن قيل : الذين شاهدوه بعد القتل من اليهود والنصارى مصلوبا قد قالوا : إن المصلوب كان المسيح ، ولم يشكوا في ذلك ، ولا سائر من نقلوا إليه الخبر به ، إلى أن أنزل الله تعالى ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ( 1 ) حينئذ كذب الخواطر في أمره ، وشك فيه كثير من الناس ، واعتقد المسلمون بطلان خبرهم . قيل له : أما الحواريون ومن كان من أصحاب المسيح مستخفين غير ظاهرين من اليهود ، حتى طلبوا المسيح ليقتلوه ، وإنما سمعوا ممن أخبرهم أنه رأى رجلا مصلوبا ، قيل : إنه المسيح ، وأما اليهود فما كانوا يعرفونه بعينه ، وإنما رجعوا فيه إلى قول يهوذا الذي دلهم عليه بزعمه . وأما قوله : إن الناس لم يكونوا يشكون في ذلك إلى أن أنزل الله تعالى : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) فإن أول الناقلين لذلك لم يكونوا مخطئين في ظنهم ، أنه قتل وصلب ، أو متواطئين على نقله ، لما جاز وقوع الشك من أحد سمع أخبار هذه الجماعات في قتله وصلبه ، كما لا يجوز تشكيك أحد في أن المسيح قد كان في الدنيا . فإن قيل : لو جاز أن يقال هذا فيما ذكرت لجاز على قوم مختلفي الهمم لا يجوز على مثلهم التواطؤ ، أن يخبروا عن رجل مشهور معروف ، أنهم رأوه مصلوبا مقتولا ، فلا يقع لنا العلم بخبرهم ، إذ لا فرق بين رؤيتهم إياه مقتولا مصلوبا ، وبين رؤيتهم إياه حيا فيما بينهم ، والذين يقولون : إن المسيح قد كان في الدنيا ، هم الذين نقلوا إلينا أنه قتل وصلب ، ومن عرفه حيا فيما بينهم ، هو الذي ذكر : أنه عرفه مقتولا ، مصلوبا . قيل له : ليس الأمر فيه على ما ظننت ، لما بينا فيما سلف ، ولأن نقلهم لقتله وصلبه لو كان في وزن نقلهم لكونه في الدنيا ، لوقع لنا العلم الضروري بقتله ، وصلبه ، كوقوعه بكونه في الدنيا ، وليس لنقل كونه في الدنيا سبب يمنع صحة الخبر به ، ولا مدخل للشبهة فيه ، والقتل والصلب قد اعترضهما أسباب تمنع أن يكون أصل الخبر بهما من قوم يوجب خبرهم